( إسراف مجتمعنا على حساب الأجيال القادمة )للكاتبة ريتاج سليمان

( إسراف مجتمعنا على حساب الأجيال القادمة )
إن الإسراف في مجتمعنا أصبح ظاهرة، بل هو أكثر من ظاهرة، أصبح عادة وسجية ينشأ عليها الصغير ولا يستغربها الكبير و من النادر أن يوجد مجتمع آخر على وجه الأرض، يصرف كما نصرف، ولا يحصل على عائد يوازي نصف ما دفع، سواء كان هذا العائد ملموسا بشكل مباشر، أو محسوسا كالسعادة الداخلية والرضا.

ومن النادر في اعتقادي أن يوجد مجتمع آخر على وجه الأرض يهدر ماله كما نهدر، ويذهب الكثير من إسرافنا أدراج الرياح، بل إن هذه الرياح التي عصفت به تعود به إلينا مرة أخرى على شكل تواكل وكسل واعتياد على المزيد من الإسراف، واكتساب عادات جديدة لهدر المال 
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسرف ولو كنت على نهر جار» فإن السواد الأعظم منا نسرف ونحن لسنا على نهر جار أو غير جار، بل نحن في واقع الأمر نعيش في صحراء جرداء إذا شم ترابها الجمل أنَّ من الألم لمعرفته بطول الطريق وشح الماء، كل قطرة ماء تكلفنا كذا، وتشعرنا بالخطر لو كنا نشعر، ومع هذا فنحن من أكثر خلق الله إسرافا في الماء، وهدرا له، مع أننا نعلم أن أجدادنا إلى وقت قريب كانوا يتقاتلون على منبع ماء ضئيل، ومع أننا نعلم أنه لا حياة بلا ماء.

ونحن نسرف في الأكل والشرب حتى ظهر فينا السمن، وانتشرت لدينا أمراض الرفاهية والخمول، ومع هذا فنحن نطبخ أكثر مما نأكل بكثير، ونطبخ في البيوت ونأكل في المطاعم، ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمْنَ صُلْبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه». ونحن مع الأسف لا نملأ بطوننا فقط، بل نملأ كل شيء من حولنا بنعمة الله، قد اعتدنا على طبخ أضعاف حاجتنا، حتى صار هذا لمعظمنا جبلَّة وطبيعة، اعتاده الكبير ونشأ عليه الصغير. ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع». ونحن في معظمنا الساحق نعمل بعكس هذا التوجيه النبوي العظيم، مع الأسف الشديد، فنأكل قبل أن نجوع، ولا ننهض حتى نتخم البطون، حتى صارت السمنة لدينا سمة ظاهرة، ونحن نشتري الكثير من الأشياء التي لا نحتاج إليها، وننسى أن الذي يشتري ما لا حاجة له سوف يبيع ما يحتاج إليه في القريب أو في البعيد أو في أجيالنا القادمة.

لقد صار التسوق والشراء لدينا أكثر من حاجة فعلية، صار تمشية وتسلية وعادة عمياء وطرداً للضجر، وما هو بطارده بل إنه ليزيده مع الأيام ويصيب النفس بالغثيان، ويملأ البيوت بالمخلفات.

وفيما عشت ورأيت لم أر أسواقاً بكثرة أسواقنا، ولا متاجر بعدد متاجرنا، في كل دول العالم التي هي أغنى منا، نحن أكثرها أسواقاً ومتاجر قياساً لعدد السكان، وهم الأكثر مصانع ومزارع، هم ينتجون ونحن نستهلك وهم يصدرون ونحن نستورد
السلعة الوحيدة الحقيقية التي نصدرها هي (البترول) وهي سلعة ناضبة، ومورد لا يتجدد، وكل صادراتنا الأخرى تقوم عليه! أما استيرادنا فبدون حدود، واستهلاكنا فبلا قيود، وتُصَدِّر إلينا دول العالم ما هب ودب وتمتلئ أسواقنا بالمغشوش والمقلد.. وبكل ما هو قصير العمر، وبكثير مما هو لا ينفع بل يضر.
أما بناء منازلنا فالإسراف سمته الظاهرة، يتنافس فيه القادر وغير القادر، يعمله الغني ويطمح إليه الفقير، ويتحكم فيه حب المظاهر أكثر من حكم العقل، حتى ازدهرت لدينا تجارة مواد البناء بشكل يفوق الخيال، وأغربنا في أشكال العمارة بدون فن حقيقي، وأسرفنا في مواد التشطيب بدون ذوق راق في كثير من الأحيان، وصار غلاء الأسعار هو المدار والمعيار، فالحمامات تلبس بالذهب، والواجهات تكسى بالحجر، والأرضيات تغطى بالرخام، والدرابزينات تحلى بالغرائب والعجائب، حتى صار متر الدرابزين الواحد يفوق سعر متر الأرض! أما الأبواب فأشكال وألوان من حديد مبهرج مزخرف متره براتب موظف، إلى أخشاب من أغلى الأنواع ذات مقابض من أغرب الأشكال، إلى ترخيم وتعتيق وزجاج معشق وغير معشق وديكورات بلا عدد.

يضاف إلى هذا الإسراف في حجم المبنى لدى أكثرنا، حيث الصالات الواسعة والمفتوحة على بعض من أسفل إلى أعلى، لا يكفيها إلا كذا وكذا، مع عدد من الغرف فوق الحاجة، أما الجناح الرئيسي في كثير من البيوت فقد صار يشبه ملاعب كرة القدم.
إننا مع هذا الإسراف نعتمد على غيرنا في معظم الأعمال:
فعمال البناء أجانب، ومعظم الباعة في المتاجر، وكل القائمين بالصيانة إلا في النادر.

ومن مظاهر الإسراف النازف في مجتمعنا ما ننفقه على الصيانة في شتى المجالات، بسبب سوء الاستعمال والتهور وخاصة في المرور وبسبب الاستغلال فنحن تقريباً البلد الوحيد الذي يطالبنا عمال الصيانة على اختلافهم بتغيير أي قطعة غيار ولو كان خللها قابلاً للإصلاح بجديدة مكلفة.

الحكمة الناضجة تقول: «لم أر إسرافاً بيناً إلا على حساب حق مضاع». وهذا بالضبط ما يؤدي إليه الإسراف طال الزمان أم قصر، فإن المسرف إما أن يرتشي أو يتحايل لسرقة المال العام لكن مع ذلك يسرف فإنه سوف يضيع حق أولاده في المستقبل.

#فريق_نهضة_مجتمع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

( فقط من أجلك )للكاتب محمد هاني السمان