( الواعظة المتنورة )للكاتبة مجد حذيفة
الواعظة المتنورة
في قديم التواجد .. وحيث كان بإمكان الوجود أن يكون قابلا للحكمة وأناسها .. كان هنالك واعظة مستنيرة عَلَّمها الصمت والصبر على تأملها وتألمها ما لم تعلم .. وكان الناسَ يتحلقون حولها كتَحلق التويجات حول الرحيقِ المُعطَّرْ .. وكانتْ أسئلتهم كقطر الندى المتشكلَ في صقيعِ العالمْ.. ومرَّة سألها رجلٌ : لماذا كلما تعلقتُ بأنثى تركتني وحدي أكابد جحودها لقلبي ؟
فأجابت : لأنك في أعماقك آمنت دوماً أنك لست أهلاً للحب .. كن أهلاً للحب .. يكن أهلك .. ، التعلقُ كحبل مشيمة لا مقص له يفتتح الولادة ولا حِراك لك أبعد من مداه وكما تستوجب مراحل الحباة انفصال الجنين عن أمه يتطلب عشقك أن ينفصل عن تعلقه ، لم توجد العلاقات لنتعلق فيها بل لنلمس الإلهي في أراضيها ولا جحود فيمن فارقك لكنه أتمَّ رسالته القدرية وما عاد بإمكانه البقاء أكثر ..
ثم سألتها أنثى : لماذا نتلطف للغرباء ونمسهم مس النسيم وأما أقربائنا نخدشهم دون وعي في الصميم ؟
أجابتْ: ذاكَ لأننا كلما تقاربنا زاد تنافرنا .. والإنسان اعتاد على شكلٍ مُوّحدٍ للتقرّبْ وهو الاقتراب حدَّ نفاذ النسيم المقيم ما بين نَفسين ، ولأن الروح ترتاح لقريبها وتسكن به فتتكاسلُ عن الارتقاءِ من خلالهِ لأعلى عليين ، لذلك تلجأ للغريب .. الذي تتعبُ النفسُ معهُ وتتألم .. فتفهم من خلالهِ ما لم تفهمْ .. كما أن الغريبْ نتجملُ أمامهُ كمرآة آنيةٍ لنشبعَ ما لدينا من شوقٍ وما لديها من فضول وترى فينا أجملَ ما نقولْ وأما القريب فلا صبر لنا للتجمّلِ أمامهُ طوال الوقت فيَحضرُ فينا تبدلات الفصول ..
ثم سألها فتى : لماذا أنا دوماً مَسيرٌ برغباتِ أهلي ؟ أتراهم يملكون جسدي الذي أنجبوه .. وأنا أملكُ ظلي ؟ أجابتْ : كلُّ جسدٍ تسيرهُ الظنون هو في الواقع مخيّر في وجهتهِ حيثما يكون .. أحياناً نضفي على الآخرين إرادتنا فيما يحدث لنا لنبرر لحركاتنا السكون .. أنت ترى أن أهلك يسيرون خُطاك ولكن عجزك عن التواجد برؤاكَ أمامهُمْ هو من يأخذكَ إلى حيث لا تريدْ .. كُن أنتَ .. لا هم .. تكنْ جسداً وروحاً لا ظلاً كالعبيد ..
الحبُّ يقولُ لكم : الحياة زيٌّ تنكريٌ نلبسهُ لساعاتٍ معدودة .. قد نضحك فيها على أنفسنا كالمهرجين ونصدق المشهد على أنه الحقيقة الواحدة .... لكن يوماً ما سنستفيق على أننا لم نكن يوماً لنا .. وإنما كنا للحُبِّ وحده
تعليقات
إرسال تعليق