( كيف تكون حقيقيا )للكاتبة مجد حديفة
كيف تكون حقيقيا :
في بداية كل علاقة او تعارف يظهر في داخل أنفسنا رغبة قوية في معرفة حقيقة الآخر كما هو بصدق وبدون تشويش خارجي ..
وهذه الرغبة مهمة لنا لانها تشعرنا بالأمان والارتياح تجاه الاخر وتساعدنا على تكوين علاقة طيبة واقعية غير خيالية نسد النقص الذي فيها من.عندنا ..
وكثيرا ما نصادف خلال حياتنا أشخاصا يصفون سبب تركهم لعلاقة ما او عدم رضاهم عنها واستمرارهم بها بأن الآخرين لم يكونوا حقيقيين معهم ..
وانهم تعرضوا للخداع ولم يكن الآخر على قدر احلامهم وتوقعاتهم ..
السؤال هنا :
ما معنى كلمة ( شخص حقيقي ) في اذهان هؤلاء الاشخاص؟
وكيف حكموا على الآخرين بأنهم غير حقيقين؟
ما مصدر أو مقياس هذا التوصيف او الاحساس؟
وما السبب في تشكل الفجوة بين الحقيقة في ذهننا عن الآخرين وواقعهم الفعلي؟
في البداية وقبل أن نحصر المقال في الاخرين ومسؤوليتهم تجاهنا علينا ألا ننخدع كثيرا ونسأل أنفسنا أولا
هل نحن حقيقيون؟
أم أننا أيضا وقعنا في نفس تلك الفجوة والتجربة فتم توصيفنا عند أناس آخرين أننا لسنا على حقيقتنا / مخادعين مدعين وكاذبين .. الخ ؟
بداية لا بد أن أعرّف حالة مهمة تساعدك على ربط ما سبق ذكره من أسئلة ، وهي حالة كيف تكون حقيقيا ولماذا قد يراك الاخرون عكس ذلك حالة أن تكون حقيقيا تأتي من عدة مصادر:
أولها سببها أنت ..
ثانيها :سببه المجتمع والبيئة كأحد مصادر الضغط الخارجي التي تساهم في اظهار حقيقتنا او اخفائها ..
ثالثها :سببه الاخرون و طبيعة عقولهم وشخصياتهم وتفسيراتهم لما يبدر منا نحوهم ..
وسنترك أسباب عدم ظهورنا على حقيقتنا بسبب ضغط المجتمع او بسبب طبيعة الاخرين لمقالات لاحقة ..
واليوم سنذكر الأسباب التي تتعلق بك و تساهم من خلالها في إظهارك على حقيقتك :
1.الرغبة باظهار حقائق عنك :
لكل شخص منا مجموعة من الحقائق التي تتعلق بصفاته ومشاعره وعالمه الداخلي وتفكيره لكن هذه الحقائق لا تظهر إلا بمقدار رغبتنا باظهارها او اخفائها عنهم
وهذا جزء من حرية الإنسان .. في أن يظهر لمن يشاء ما يشاء ويخفي ما يشاء حسب معايير خاصة به ..
فمثلا الشخص الكتوم لا يظهر من عالمه الداخلي إلا اليسير لكن وأمام مواضيع يرغب بمناقشتها او اشخاص يرتاح لهم بشكل كبير ربما ستراه يتحدث بطلاقة عكس حقيقته لديك .
2. تزداد حقيقتنا ظهورا وفقا لدرجة انفتاحنا النفسي النابعة من طبيعة شخصيتنا وقناعاتنا :
الانفتاح والانغلاق النفسي تجاه الآخرين تأتي لعدة أسباب منها تجارب الماضي او قناعات الشخص او طبيعة شخصيته .
فالاشخاص المنغلقون او الكتومون او الانطوائيون عادة لا يحبون ولا يشعرون بضرورة مشاركة ما فعلوه او ما يخططون له او ما يعتريهم داخليا وهذه هي طبيعتهم ..
عكس الاشخاص الانبساطيين والمنفتحين الذين لا يرتاحون الا بالتصريح والمشاركة النفسية والعاطفية
وايضا قناعاتنا الجديدة عن ضرورة الانفتاح واظهار حقيقتنا للاخرين فقد تجد شخصا انطوائيا قرأ مقالات عن فائدة الانفتاح والتحدث عن نفسه فاصبح يظهر حقيقته بشكل أكبر أمام الاخرين وقد اعتاد الا يظهر منها شيئا .. وقد.يتعلق الانفتاح بالتوقيت الذي نتعرف فيه على الناس فبعض الناس لانشغالهم الشديد قد يبدون لنا عكس حقيقتهم .. او يتعلق بمقدار الألم الذي تعرضنا له.
.3.الحدود الشخصية التي نضعها في تعاملنا مع الآخرين تلعب دورا في اظهار حقيقتنا او إخفائها :
.تتأثر مقدرتنا على اظهار أنفسنا على حقيقتها بوجود توجه ذهني واضح بما يجب اظهار وما يجب اخفاؤه
من هنا سنجد نوعين من الاشخاص نوع متذبذب في اظهار حقيقته ساعة تجده منفتحا وساعة منغلقا ونوع لديه حدود نفسية واضحة تتحكم في ما يظهره لنا من حقيقته ..
وقد وجد مفهوم الحدود الشخصية لكي نحمي انتهاك خصوصيتنا ومعلوماتنا ومشاعرنا ..
ولكي نتأكد من درجة استحقاق الاخرين للتقرب منا او عدمه والاكتفاء بحدود العلاقة السطحية .
كما تحدد الحدود الشخصية التوقيت الملائم للتقرب ..
وهذا ربما يجعل حكمك على الاخر خاطئ وعكس حقيقته ..
فقد تخفي فتاة ما عن خطيبها معلومات تعتقد أن ليس من حقه معرفتها الا عندما يصبح زوجها .
وقد تصف زميلك بالعمل بأنه منغلق ويتعامل بفوقية لكنه في الحقيقة ليس كذلك ..
قد يكون سبب ذلك أنه وضع حدودا معينة تفضي بعدم تعميق علاقاته مع زملاء العمل بناء على قناعات خاصة لديه او تجارب سابقة ولا يريد التقرب منك فلا تأخذ ذلك على محمل شخصي ولا تحكم عليه بما لا تعرفه عنه فمن الممكن أن تكون شخصيته اروع بكثير مما تصورته عنه والسبب هو حدوده معك ..
4.عادة نكون حقيقين مع الاخرين بمقدار ما نكون على طبيعتنا بلا تكلف :
الإنسان الذي يتصرف تماما كما يحب ويقتنع ..
ويفعل تماما ما يرغب به ويتكلم من منطلق شعوره بالضرورة للتكلم هو انسان طبيعي لا يحاول أن يرضي احد على حساب نفسه ولا يحاول التشبه بشخصيات أخرى ويعكس بذلك عدم حبه لشخصيته وطبيعته التي خلقه الله بها ..
نعم يمكننا التعلم من الاخرين والاقتداء بتجارب حياتهم ومحاولة ارضائهم لنسكبهم وندخل باشياء لا نحبها لنتعلم ونتطور ...
ولكن عندما نتصرف بعكس طبيعتنا لغايات غير منطقية مثل/ نيل اعجاب الاخرين والمديح والغيرة والظهور وان نكون على الموضة / سنكون غير حقيقيين .. سنشبه كل شيء إلا أنفسنا .. وهذا ما سيشعرنا بالضياع والالم وينعكس على تكوين صورة كاذبة للاخرين عنا .
5. الناس تكون على حقيقتها معنا بمقدار صدقها مع نفسها ومع الله :ّ
لربما سيعتقد البعض منكم أن علاقتنا مع أنفسنا او مع الله وصدقنا فيها هي شيء خاص ولا علاقة له باظهار حقيقتنا ولكن العكس هو الصحيح ...
فالصدق مع النفس يجعل باطنك متفقا مع ظاهرك ... فلا تمثل ماليس فيك لتنال القبول والتاييد وإعجاب الناس .. ولا تحاول ان تظهر بمظهر الخيّر والمحب لله وأنت عكس ذلك في نفسك .. صدقك مع نفسك سيؤدي لخلق حالة من الأمانة في توصيل كل ما هو بداخلك بشكل يتطابق مع خارجك .. مهما قل مقدار ما تظهره أو كبر ..
واما ما يتعلق بالناس التي يكون ظاهرها عكس باطنها كما في قصة سيدنا موسى مع الخضر فهذه حالة كانت لغاية سامية هدفها أن نتعلم
عدم الحكم على ما ليس لنا به علم ..
6. نكون حقيقيين مع الناس بمقدار تتطابق أقوالنا مع افعالنا:
فمثلا قد تصف نفسك بانك صادق لكنك تتصرف عكس ذلك .. او تعد بشيء وتتصرف عكسه ولا تعتذر ..
7. نكون حقيقيين أيضا عندما تتطابق أفعالنا مع نوايانا او دوافعنا ..
فمثلا قد تفعل الخير وتقول إن نيتك هي العمل لوجه الله .. ولكن في الحقيقة أنت تعمل الخير ليمدحك الناس
ودليل ذلك غضبك او حزنك.عندما لا يثني الاخرون عليك .
8. نكون حقيقيين أيضا عندما يعكس تعبيرنا لمشاعرنا ما نشعر به حقا .. وليس ما يفسره الآخرون من فهمهم لمشاعرنا .
فمثلا قد تقول امرأة لزوجها طلقني وهي تقصد تمسك بي واهتم اكثر .. ويفهم زوجها من مشاعرها انها تريد الطلاق حقا .
او يقول أحدهم أنت السبب في ما أنا فيه ..
ويقصد أنه المسؤول عما حدث لكنه حزين لانك لم تسانده ولم تكن الى جانبه... ويفهم الاخر أنه معرض للوم والانتقاد فيلجأ للدفاع عن نفسه عوضا عن فهم مشاعر الشخص المشتكي .
9.تكون حقيقيا أمام نفسك والآخرين بمقدار تخلصك من آلام الماضي وتبعاته واتباعك لنهج التسامح والتشافي :
قد يتعرض البعض منا لضربات نفسية موجعة او خيانة ما او.خسارة .. او طعن في الثقة تؤدي بنا للانغلاق كليا وعدم الظهور على طبيعتنا وحقيقتنا امام الناس .. فنتصرف من منطلق الألم وحماية أنفسنا منه لا من منطلق التصرف على طبيعتنا وحقيقتنا من هنا تأتي أهمية إلا نحكم على أنفسنا ولا على الاخرين بهوية آلام مروا بها فمن منا لم يتغير ويتصرف بطريقة مغايرة لطبعه عند تعرضه للالم ؟
10.تزداد حقيقتنا وطبيعتنا ظهورا بزيادة نضجنا ومدى سواءنا النفسي وتنقص عند تعرضنا للمرض والضغوط :
فمن يعاني من مرض نفسي او جسدي او يتعرض لضغط ما من المؤكد أنه سيتصرف بشكل يعكس الخوف والعصبية .. الخ
ومن يعاني من عقد النقص وحب الظهور او الغيرة سيتصرف بعيدا عن حقيقته ..
ومن عانى من فقد ما لصديق او أم او مال تراه يحاول دائما الكسب والتعويض المبالغ كيلا يكرر خساراته السابقة ..
بينما نلاحظ أن الناضجين والذين يتمتعون بشخصيات سوية تصرفاتهم تتسم بالنضج وعدم الاهتزاز وعدم المبالغة في شيء منها .
11.تزداد عملية اظهارنا لحقيقتنا وفقا لمقدار ثقتنا بأنفسنا عدم اهتمامنا بالحكم على حقيقتنا مهما كانت من قبل الاخرين وتنقص بمقدار حساسيتنا من الأحكام والتقييم والخوف من اراء الآخرين وقلة الثقة بالنفس وتقدير الذات:
الواثقون بانفسهم لا يعنيهم ولا تخيفهم آراء الناس في حال تصرفو على طبيعتهم ولم يلقوا القبول عبر آراء الاخرين ولا يتحسسون منه بل يتقبلونه بكل محبة
اما الناس الذين يخافون من اظهار طبيعتهم وذلك بسبب قلة الثقة بنفس او ارتفاع حساسيتهم من اراء الناس او خوفا من الرفض وعدم تقبل هذه الحقيقة
نجدهم.يمضون في حياتهم بحيز ضيق من الظهور والتعبير عن انفسهم وذلك فقط بسبب خوفهم الذي تشكل اما بارائنا السلبية حول أنفسنا /ّسيضحكون علي . ابدو كالمغفل . /
او.بسبب الاراء المؤذية للاخرين التي أثرت فيهم من الماضي ولا زالوا يحملونها في داخلهم ويتصرفون على مقاسها ..
لذلك.علينا أن ننتبه لمدى خوفنا وقلقنا وحساسيتنا وقلة ثقتنا بانفسنا . فشعور عدم الارتياح النابع من ذلك يجعلنا بعيدين عن نكون على طبيعتنا .. ونحب انفسنا.ونتعرف عليها ❤
12.التفاعل من الذات الحقيقية لا من الذات المزيفة :
بعض الناس يظهرون بمظهر يختلف تماما عن طبيعتهم وحقيقتهم التي خلقهم الله عليها والسبب يعود.في ذلك لتعاملهم معنا من ذاتهم المزيفة التي تنشأ بسبب الالام النفسية ومحاولاتنا في الدفاع عن انفسنا بما يسمى بالاليات الدفاعية .. وهذا ما سنتحدث عنه في مقال منفرد كيف نميز الذات الحقيقية من المزيفة.
والآن وبعد ان تحدثت عن أغلب الأسباب التي تساهم في جعلنا حقيقيين أمام الاخرين وأنفسنا اتمنى أن أكون قد قدمت لكم ما فيه الوضوح والفائدة.
شاركونا بارائكم ودمتم بخير ❤
بقلم مجد حديفة
تعليقات
إرسال تعليق